من الكتب التي أتمنى أن تكون على مكتب كل إعلامي، وأن يدرسها طلاب كليات الإعلام، كتاب «فن الإلقاء» للفنان الكبير عبد الوارث عسر؛ فهو ليس كتابًا عن جمال الصوت فقط، وإنما منهج فى كيفية تحويل الكلمة المكتوبة إلى كلمة حية تصل إلى عقل المستمع وقلبه.
وقد قسّم عبد الوارث عسر كتابه إلى جانب يتناول تاريخ الإلقاء عند العرب والأوروبيين، ثم انتقل إلى الجانب العملى فى قواعد النطق ومخارج الحروف وصفاتها، والتركيز، والسكتات، والتمبو؛ أى سرعة وإيقاع الأداء.
ومن أجمل ما يمكن أن يستفيد منه الإعلامى فكرة مخارج الحروف؛ فالحرف عند عبد الوارث عسر ليس مجرد صوت، وإنما أساس وضوح الكلمة. والإعلامى الذى يبتلع بعض الحروف أو لا يعطيها حقها قد يغيّر المعنى أو يجعل المستمع يبذل جهدًا لفهمه. وهنا يصبح التدريب على نطق الحروف وصفاتها جزءًا من التدريب المهنى للإعلامى، تمامًا مثل التدريب على إعداد الأسئلة أو قراءة الأخبار.
ثم تأتى فكرة التركيز؛ فليست كل كلمات الجملة متساوية فى أهميتها. تخيل مذيعًا يقول: «الرئيس يعلن اليوم قرارًا مهمًا»، فهناك كلمة أو أكثر تحمل جوهر الخبر، وعلى المذيع أن يمنحها قدرًا مناسبًا من التركيز دون افتعال.
ويتوقف الكتاب كذلك عند السكتات، وهى من أسرار الأداء. فالصمت القصير بين عبارتين قد يكون أبلغ من رفع الصوت. عندما يقول المذيع: «وبعد ساعات من البحث… عُثر على الطفل»، فإن السكتة هنا تصنع انتظارًا وتشويقًا وتمنح ما بعدها قوة أكبر.
أما التمبو أو إيقاع الكلام وسرعته، فهو درس شديد الأهمية لإعلام اليوم. فلا يصح أن تُقرأ قصة إنسانية مؤثرة بالسرعة نفسها التى يُقدم بها خبر رياضى، ولا أن يُلقى خبر عاجل بالإيقاع نفسه الذى يُدار به حوار هادئ.
ولذلك أرى أن «فن الإلقاء» ليس كتابًا من الماضى، بل كتاب نحتاجه اليوم أكثر من أى وقت مضى. فقد تتغير الكاميرات والاستوديوهات والمنصات، لكن تظل أداة الإعلامى الأولى هى الكلمة.
وعبد الوارث عسر يذكرنا بقاعدة يجب ألا ننساها: الإعلامى الناجح ليس من يعرف ماذا يقول فقط، وإنما كيف يقوله.
ولهذا أتمنى أن يعود تدريس فن الإلقاء بقوة فى كليات الإعلام، وأن يكون هذا الكتاب أحد مراجعه؛ حتى نصنع جيلًا جديدًا يحترم اللغة، ويجيد النطق، ويعرف قيمة السكتة، وإيقاع الجملة، وقوة الكلمة.