«كلمتين وبس».. لم يكن مجرد برنامج إذاعى شهير، بل كان جزءاً من وجدان أجيال كاملة، بصوت الأستاذ فؤاد المهندس، وقلم الكاتب الكبير أحمد بهجت، عبر إذاعة البرنامج العام. وقد تشرفت بعد ذلك بأن أقدم البرنامج لعدة سنوات، مع الاحتفاظ بصوت الأستاذ فؤاد، وكان يكتبه آنذاك الكاتب الموهوب محمد الشبه.
ومع اقتراب ذكرى فؤاد المهندس، أستعيد حواراً دار بينى وبينه، وكأنه جرى بالأمس، حين حكى لى كيف غيّرت حلقة واحدة من «كلمتين وبس» مسار حياته الفنية.
كانت علاقتى بالأستاذ فؤاد تحمل خصوصية كبيرة، فإلى جانب محبتى له منذ طفولتى، كانت تربطه بعائلتى علاقة فنية ممتدة؛ عمى إيهاب الليثى أنتج له عدداً من أشهر أفلامه مع الفنانة شويكار، وعمى جمال الليثى أنتج له أيضاً مجموعة من أفلامه، بينما أنتج والدى ممدوح الليثى عدداً من أفلامه التليفزيونية، من أهمها فيلم «أيوب» مع عمر الشريف.
سألته يوماً عن أصعب الفترات فى حياته، فقال لى:
«بص يا عمرو.. بعد معاهدة السلام والهجوم الكبير اللى حصل على الرئيس السادات، لقيتنى من نفسى، ومن غير ما حد يطلب منى، بعمل حلقة فى كلمتين وبس، برد فيها على اللى هاجموا السادات».
ثم صمت لحظة، وأكمل بطريقته الساخرة:
«وبس يا سيدى.. الحلقة خلصت، لكن الحكاية ما خلصتش! بعدها أعمالى اتمنعت فى دول عربية كتير؛ لا مسرحيات ولا أفلام ولا مسلسلات، والمنتجين بقوا خايفين يشتغلوا معايا.. ولقيت نفسى قاعد فى البيت».
سألته: وماذا فعلت؟
قال: «ولا حاجة.. استنيت! لحد ما فى يوم جالى تليفون من الأستاذة همت مصطفى، وكانت رئيسة التليفزيون، وقالت لى: يا أستاذ فؤاد، الريس عايزك تعمل فوازير رمضان للأطفال».
وضحك وهو يتذكر اللحظة:
«قلت لنفسى: فوازير؟! وماله.. فوازير فوازير، هو أنا لقيت حاجة تانية؟!».
واتصل بصديقه مصطفى الشندويلى والمخرج محمد رجائى، وبدأت رحلة «عمو فؤاد» التى تحولت إلى واحدة من علامات شهر رمضان.
قاطعته ضاحكاً: «يا أستاذ فؤاد، ده أنا كنت من الأطفال اللى بيحلوا الفوازير كل يوم!».
ضحك وقال: «أهو شفت!».
ثم أكمل الحكاية: «بعد سنين طلبت يرفعوا أجرى، التليفزيون رفض، وجابوا عبدالمنعم مدبولى يعمل الفوازير مكانى».
وسكت قليلاً ثم قال: «بينى وبينك يا عمرو.. أنا زعلت منه، مش علشان عمل الفوازير، لكن علشان ما قاليش!».
وكان عبدالمنعم مدبولى قدّم «جدو عبده»، قبل أن يتصالح الصديقان، ويعود فؤاد المهندس مرة أخرى بفوازير «عمو فؤاد راجع يا ولاد».
هذه الحكاية تكشف جانباً آخر من فؤاد المهندس؛ الفنان الذى دفع ثمن موقف اتخذه بإرادته، ثم لم يستسلم عندما أغلقت أمامه الأبواب، بل فتح باباً جديداً دخل منه إلى قلوب ملايين الأطفال.
رحم الله فؤاد المهندس، وعبدالمنعم مدبولى، ومصطفى الشندويلى، ومحمد رجائى؛ هو جيل من الكبار صنع لنا فناً راقياً، وقدم لنا المعرفة فى ثوب من البهجة، وشكّل جزءاً أصيلاً من ثقافة جيلنا وأجيال جاءت من بعدنا.