لا أنسى أول بروفة لمسلسل «رأفت الهجان». كانت فى الخامسة مساءً داخل استوديو (٥)، وكان أول مشهد فى السيناريو هو وفاة رأفت الهجان.
بدأ الفنان عادل إمام قراءة المشهد، ثم توقف فجأة وقال: «معقول نبدأ المسلسل بموت البطل؟»
بعد انتهاء البروفة دخل إلى مكتب المخرج يحيى العلمى، وكنت حاضرًا هذا اللقاء. قال له بهدوء: «يا يحيى… لو بدأنا بموت البطل، هنفقد جزءًا كبيرًا من تشويق العمل»، ووعده العلمى بأن يناقش الأمر مع الكاتب صالح مرسى.
بعد أيام، تشرفت بمرافقة الأستاذ عادل إمام فى سيارته لحضور العرض الخاص لفيلم «النمر والأنثى». وفى الطريق سألته عن سبب اعتراضه، فقال لى جملة لم أنسها حتى اليوم: «هأديك أول درس فى الدراما… لما تحرق نهاية البطل فى أول دقيقة، المشاهد هيفقد شغفه». ثم أضاف: «لو صالح مرسى رفض تغيير البداية… أنا هعتذر».
لكن صالح مرسى تمسك بالبناء الدرامى كما كتبه، ثم تعرض لوعكة صحية دخل على إثرها المستشفى، فعاد يحيى العلمى إلى محمود عبدالعزيز، الذى كان لا يزال يشعر بالمرارة. وبعد محاولات عديدة وافق على العودة، وقدم الدور الذى أصبح علامة خالدة فى تاريخ الدراما العربية.
ومن واقع ما عشته، لم أشهد أى تدخل من الرئيس حسنى مبارك فى اختيار بطل المسلسل. بل إن كل ما دار كان نقاشًا فنيًا بين المؤلف والمخرج والنجوم. وأقول ذلك أيضًا لأن والدى، الكاتب الكبير ممدوح الليثى، كان المسؤول عن إنتاج العمل، وكنت قريبًا من تفاصيله.
أتذكر أيضًا أننى سألت محمود عبدالعزيز بعد ذلك: «حضرتك زعلان من الأستاذ عادل ليه؟» فقال: «كان لازم يرجعلى قبل ما يقبل الدور». كانت مرارة إنسانية أكثر منها خصومة، وظل بينهما جفاء سنوات، قبل أن تعود المياه إلى مجاريها وينتهى كل شىء بالصلح.
وبعد النجاح الكبير للجزء الأول، حضرت جلسة جمعته بوالدى عندما طلب زيادة أجره فى الجزء الثانى، وانتهت بالموافقة على رفع أجره إلى ٢٥٠٠ جنيه للحلقة، ليستمر النجاح ويولد الجزءان الثانى والثالث.
رحم الله الرئيس محمد حسنى مبارك، والفنان الكبير محمود عبدالعزيز، ووالدى الكاتب ممدوح الليثى، والمخرج يحيى العلمى، والكاتب صالح مرسى، وأطال الله عمر الزعيم عادل إمام. ويبقى «رأفت الهجان» أكثر من مسلسل ناجح؛ إنه عمل وطنى صنع وجدان أجيال كاملة، وسيظل شاهدًا على زمن كانت فيه الدراما رسالة قبل أن تكون مجرد عمل فنى.