• الرئيسية
  • البرامج
    • برنامج رمضان المصري
    • برنامج أسماء الله الحسنى
    • برنامج أبواب الخير
    • برنامج اجمل ناس
  • الأخبار
  • ريلز
  • مقالات المصرى اليوم
  • مقالات جريدة الوطن
  • من هو عمرو الليثي
banner

الموقع الرسمي لدكتور عمرو الليثي

banner

حين كان للكلمة هيبة

قناة الموقع على اليوتيوب

من الكتب التي أعتقد أننا في حاجة إلى إعادة اكتشافها اليوم كتاب «فن الإلقاء» للفنان الكبير عبدالوارث عسر، ليس فقط لأنه كتبه واحد من كبار فناني الزمن الجميل، ولكن لأنه يقدم علماً حقيقياً يصلح للممثل والمذيع والخطيب، وأراه ضرورياً لطلاب كليات الإعلام ولكل من يقف أمام ميكروفون أو كاميرا. وقد ظل الكتاب مرجعاً في تدريس الإلقاء، وهي المادة التي درّسها عبدالوارث عسر لأجيال من الفنانين.

يلخص عبدالوارث عسر مفهومه للإلقاء بأنه «فن النطق بالكلام على صورة توضح ألفاظه ومعانيه»، وهذه العبارة القصيرة تصلح، في رأيي، لأن تكون أول درس يتعلمه طالب الإعلام، فالمطلوب ليس أن يسمع الجمهور صوتك فقط، وإنما أن يفهم كل لفظ، وأن يصل إليه المعنى والإحساس المقصودان.

ويشرح «عسر» أن وضوح اللفظ يبدأ من دراسة الحروف ومخارجها وصفاتها، حتى يخرج الحرف سليماً فلا يختلط بغيره، أما وضوح المعنى فيرتبط بفهم طبقات الصوت والقدرة على تنغيمه بما يتناسب مع المعنى.

وهنا نتوقف أمام مشكلة نراها اليوم في بعض البرامج: السرعة في الكلام، وابتلاع نهايات الكلمات، وعدم التفرقة في الأداء بين خبر حزين وخبر سعيد، أو بين سؤال جاد ومقدمة ترفيهية.

ويستفيض عبدالوارث عسر في شرح مخارج الحروف، فيبدأ بـالجوف والحلق واللسان والشفتين، ويتوقف مثلاً عند الحروف الحلقية؛ فالهمزة والهاء تخرجان من أقصى الحلق، والعين والحاء من وسطه، والمسألة هنا ليست درساً نظرياً في اللغة، وإنما تدريب عملي للإعلامي؛ لأن الخطأ في حرف واحد قد يشوه كلمة كاملة، وقد يحول الجملة الجادة إلى جملة مرتبكة.

ثم نصل إلى درس شديد الأهمية هو «التركيز»، فليست كل كلمات الجملة متساوية. عندما يقول المذيع مثلاً: «مصر تحقق إنجازاً تاريخياً اليوم»، فإن طريقة التركيز على «إنجازاً تاريخياً» تختلف عن بقية الكلمات، الإعلامي الجيد يعرف أين يضع ثقله الصوتي، فلا يقرأ الجملة كلها على نغمة واحدة كأنه يقرأ قائمة أسماء.

ويتناول الكتاب كذلك السكتات، وهي مدرسة وحدها، فالمذيع الذي يقول: «وبعد ساعات من البحث.. عُثر على الطفل حياً»، يستخدم لحظة الصمت لكي يمنح ما بعدها قوة وتأثيراً. والسكتة ليست نسياناً للكلام، وإنما قد تكون جزءاً من الكلام نفسه.

أما ما يسميه عبدالوارث عسر «التمبو»، أي سرعة وإيقاع الأداء، فهو درس نحتاجه بشدة في إعلام اليوم، فخبر عاجل له إيقاع، وقصة إنسانية لها إيقاع آخر، وحوار سياسي ساخن يختلف عن حوار مع فنان يستعيد ذكرياته. الإعلامي الذي يتحدث بالسرعة والنغمة نفسيهما طوال الحلقة يفقد إحدى أهم أدواته.

والأجمل أن عبدالوارث عسر يربط الإلقاء بالشخصية والانفعال؛ فالكلمة عنده ليست منفصلة عن الإنسان الذي ينطقها، والأداء يجب أن يكون نابعاً من الشخصية ومتجانساً معها.

لهذا أتمنى أن يعود «فن الإلقاء» ليكون من الكتب الأساسية في كليات الإعلام ومعاهد التمثيل. لقد تغيرت التكنولوجيا، وتعددت المنصات، وأصبح الهاتف نفسه محطة إذاعية وتليفزيونية، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: الكلمة.

كما أود أن أشكر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، برئاسة الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، على طرح كتاب فن الإلقاء في الأسواق قريباً، ضمن أحدث إصداراته.

وهذا يعكس حرص المجلس على الاستفادة من واحد من أهم الكتب التي تناولت علم الإلقاء والأداء الصوتي، والذي يقدم منهجاً متكاملاً في فنون الخطابة والتلاوة والأداء التمثيلي، بما يجعله مرجعاً مهماً للممثلين والشعراء والمحامين والخطباء، وكل من يعمل في مهنة تستدعي الإلقاء أو التمثيل.

وعبدالوارث عسر يعلمنا أن امتلاك الميكروفون لا يصنع إعلامياً؛ وإنما يصنعه أن يعرف ماذا يقول، وكيف ينطق، وأين يركز، ومتى يسكت، وبأي إيقاع يصل إلى الناس.

تابعونا علي

كل الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عمرو الليثي/© 2026

تصميم وتطوير بيانات