لم يعد الحصول على الشهرة فى عصر وسائل التواصل الاجتماعى يحتاج إلى سنوات من الاجتهاد أو موهبة استثنائية أو إنجاز حقيقى.
بضغطة زر، قد يتحول شخص مجهول إلى حديث الناس خلال ساعات قليلة، وقد يصبح اسمه على كل شاشة، لكن السؤال الذى يجب أن نطرحه على أنفسنا: بأى ثمن؟
للأسف، أصبح «التريند» عند البعض غاية فى حد ذاته، وليس وسيلة لتقديم محتوى هادف أو فكرة نافعة أو موهبة تستحق التقدير.
هناك من بات مستعداً لفعل أى شىء من أجل أن تتصدر صورته أو مقطعه قوائم المشاهدة، حتى لو كان ذلك على حساب قيم المجتمع، أو احترام القانون، أو كرامته الشخصية، أو سمعة أسرته.
المؤلم أن بعض من يصنعون التريندات السلبية لا يبالون بنوعية الشهرة التى يحققونها.
لم يعد يفرق لديهم أن يكونوا قدوة أو نموذجاً سيئاً، المهم أن تتكرر أسماؤهم، وأن تتزايد أعداد المشاهدات والإعجابات والتعليقات.
وكأن الشهرة أصبحت هدفاً مستقلاً، بصرف النظر عن مضمونها أو آثارها.
ومن أخطر ما أفرزته هذه الظاهرة أن بعض الشباب أصبح يقيس النجاح بعدد المتابعين، لا بحجم الإنجاز، وبعدد المشاهدات، لا بقيمة المحتوى.
وتحولت بعض المنصات إلى ساحات للمبالغة والاستعراض وإثارة الجدل، لأن الجدل -للأسف- أصبح أسرع الطرق للوصول إلى التريند.
كم شاهدنا أشخاصاً يفتعلون المشكلات، أو يختلقون القصص، أو ينشرون الشائعات، أو يصورون مواقف غير لائقة، فقط لأنهم يعلمون أن الصدمة تجذب الانتباه.
وكم رأينا من تجاوز حدود الذوق العام، أو استهان بحرمة الأماكن العامة، أو سخر من الآخرين، أو اعتدى على الخصوصية، أو استعرض سلوكيات لا تليق بمجتمع له قيمه وتقاليده، وكل ذلك بحثاً عن دقائق معدودة من الشهرة.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه المقاطع تجد من يشجعها، ويعيد نشرها، ويعلق عليها، فتزداد انتشاراً، بينما يتراجع المحتوى الجاد الذى يحتاج إلى وقت وجهد وعلم وإبداع.
وهنا تتحمل الجماهير أيضاً جزءاً من المسئولية، لأن ما يحصد المشاهدات هو ما تدعمه الجماهير بالمشاهدة والمشاركة.
لا أحد يعترض على استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، فهى من أعظم أدوات العصر، وقد أتاحت فرصاً هائلة للتعلم والعمل والتواصل والإبداع.
وخرج من خلالها علماء وأطباء ومبدعون وصُناع محتوى محترمون، استطاعوا أن يقدموا نماذج مشرقة أثبتت أن النجاح الحقيقى لا يحتاج إلى إثارة أو إسفاف.
لكن المشكلة ليست فى الوسيلة، وإنما فى طريقة استخدامها، فالهاتف المحمول الذى نحمله جميعاً يمكن أن يكون وسيلة لبناء الوعى، كما يمكن أن يتحول إلى أداة لهدم الذوق العام إذا أسىء استخدامه.
اليوم أصبح كل إنسان تقريباً يحمل كاميرا احترافية فى جيبه، وقادراً على تصوير أى مشهد ونشره فى لحظات ليشاهده الملايين.
وهذه نعمة كبيرة، لكنها فى الوقت نفسه مسئولية أكبر، فليس كل ما يُصوَّر يجب أن يُنشر، وليس كل ما يحقق مشاهدات يستحق أن يراه الناس.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن حرية النشر لا تعنى الفوضى، وأن حق التعبير لا يعنى الإساءة، وأن البحث عن الشهرة لا يبرر تجاوز الأخلاق أو القيم أو القانون. فالمجتمع لا يُبنى بالمحتوى الذى يهدم الذوق العام، وإنما بالمحتوى الذى يرتقى بالعقول ويعزز الانتماء ويحترم الإنسان.
إن من يصور مقطعاً ثم يرفعه على منصات التواصل لا يخاطب أصدقاءه فقط، بل يخاطب مجتمعاً كاملاً، وقد يؤثر فى أطفال ومراهقين يعتبرونه قدوة دون أن يشعر.
ولذلك فإن المسئولية الأخلاقية أصبحت أكبر من أى وقت مضى.
إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة، يكون فيها السؤال الأول قبل الضغط على زر النشر: هل ما سأقدمه يضيف شيئاً نافعاً؟ هل يحترم الناس؟ هل يحافظ على قيم المجتمع؟ هل سأكون فخوراً بهذا المحتوى بعد سنوات؟
كما أن الأسرة لها دور محورى فى توعية الأبناء بأن الشهرة ليست إنجازاً فى حد ذاتها، وإنما القيمة الحقيقية هى فيما يقدمه الإنسان لوطنه ومجتمعه.
والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية مطالبة جميعاً بتعزيز ثقافة المسئولية الرقمية، وتعليم الأجيال الجديدة أن لكل كلمة وصورة أثراً، وأن العالم الرقمى لا يعفى أحداً من المسئولية الأخلاقية أو القانونية.
ومن المهم أيضاً أن تستمر المنصات الرقمية فى تطوير سياساتها للحد من المحتوى الضار، وأن تدعم المحتوى الإيجابى والإبداعى، حتى لا يصبح أصحاب الرسائل الهادفة فى منافسة غير عادلة مع من يعتمدون على الإثارة والابتذال.
لقد عرف المجتمع المصرى عبر تاريخه قيماً راسخة تقوم على الاحترام والحياء والتكافل والالتزام بالأخلاق العامة. وهذه القيم ليست عائقاً أمام الإبداع، بل هى الضمان الحقيقى لاستمرار مجتمع متماسك يحترم ذاته ويحافظ على هويته. أما الشهرة التى تقوم على مخالفة هذه القيم فهى شهرة مؤقتة، سرعان ما تزول، بينما يبقى أثرها السلبى طويلاً فى ذاكرة المجتمع.
علينا أن نعيد تعريف النجاح أمام الأجيال الجديدة. فالناجح ليس من يتصدر التريند ليوم أو أسبوع، وإنما من يترك أثراً طيباً يبقى لسنوات. وليس المشهور هو من يعرفه الناس بسبب موقف صادم أو تصرف مستفز، وإنما من يحترم نفسه ويحترمه الناس لما قدمه من علم أو عمل أو إبداع أو خدمة لوطنه.
فى النهاية، سيظل الهاتف المحمول مجرد أداة، وستظل منصات التواصل مجرد وسيلة، أما القرار فهو فى يد الإنسان. فإما أن يجعل منها منبراً للوعى والاحترام والإبداع، وإما أن يحولها إلى منصة للابتذال والضجيج.
ويبقى السؤال الذى يجب أن يطرحه كل من يرفع مقطعاً مصوراً على الإنترنت: هل أبحث عن إعجاب لحظى، أم عن احترام يدوم؟ لأن التريند قد يصنع شهرة عابرة، لكن الأخلاق وحدها هى التى تصنع قيمة الإنسان، والقيم وحدها هى التى تبقى عندما يختفى كل شىء آخر.