لم يعد الإعلام فى عصرنا مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تقديم الترفيه، بل أصبح إحدى أهم الأدوات التى تشكل وعى الإنسان، وتصنع اتجاهاته، وتؤثر فى أفكاره وسلوكه ونظرته إلى نفسه ومجتمعه. وتزداد أهمية هذا الدور عندما نتحدث عن الجيل الجديد، الذى وُلد ونشأ فى عالم مفتوح، وأصبح الهاتف المحمول بالنسبة إليه نافذة لا تغلق على العالم كله.
لقد تغير مفهوم الإعلام بصورة جذرية. ففى الماضى كانت هناك صحافة وإذاعة وتليفزيون، وكانت الرسالة الإعلامية تمر بمراحل من المراجعة والتدقيق قبل أن تصل إلى الجمهور، أما اليوم، فقد أصبح كل شخص يمتلك هاتفاً وحساباً على مواقع التواصل قادراً على أن يكون ناشراً ومصوراً ومعلقاً، وأن تصل كلماته أو مقاطعه المصورة إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات وربما دقائق.
وهنا تكمن الفرصة والخطورة معاً.
فالجيل الجديد يمتلك من أدوات المعرفة ما لم تمتلكه أجيال سابقة، ويستطيع بضغطة زر أن يتعرف على ثقافات مختلفة، ويتعلم لغة أو مهارة، ويقرأ كتاباً، ويتابع محاضرة لأستاذ فى جامعة تبعد عنه آلاف الكيلومترات. لكن فى المقابل، أصبح معرضاً يومياً لسيل هائل من المعلومات، بعضها صحيح وبعضها مضلل، وبعضها لا يستهدف المعرفة بقدر ما يستهدف الإثارة وتحقيق المشاهدات.
ومن هنا يصبح الوعى الإعلامى ضرورة وليس رفاهية.
علينا أن نعلم أبناءنا ألا يصدقوا كل ما يشاهدونه، وأن يسألوا دائماً: من مصدر هذه المعلومة؟ وما الدليل عليها؟ ولماذا يتم نشرها الآن؟ وهل ما أشاهده حقيقة كاملة أم جزء من الحقيقة تم اقتطاعه وتقديمه بصورة تخدم هدفاً معيناً؟
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نطالب الشباب بالابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعى، لأن ذلك ببساطة أمر غير واقعى. المطلوب هو أن نعلمهم كيف يستخدمونها، لا كيف يهربون منها.
وفى عصر الذكاء الاصطناعى، أصبحت المهمة أكثر صعوبة. فقد بات من الممكن إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو تبدو حقيقية وهى ليست كذلك، وهو ما يجعل التربية على التحقق والتفكير النقدى مسئولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام.
كما أن المؤسسات الإعلامية نفسها مطالبة بأن تستعيد ثقة الجيل الجديد، ليس بالوعظ أو الخطاب التقليدى، وإنما بمحتوى حديث وجذاب وصادق يحترم عقل الشباب ويتحدث بلغتهم دون أن يتخلى عن القيم والمهنية.
نحن لا نريد جيلاً يخاف من التكنولوجيا، بل نريد جيلاً يمتلكها ولا تملكه، يستخدمها ولا تسمح هى بتوجيهه دون وعى، وينفتح على العالم دون أن يفقد هويته.
إن معركة المستقبل ليست فقط معركة اقتصاد أو تكنولوجيا، وإنما هى قبل كل شىء معركة وعى. ومن ينجح فى بناء وعى الأجيال الجديدة، ينجح فى حماية المجتمع وصناعة مستقبله.
ولهذا فإن مسئولية الإعلام اليوم أكبر من أى وقت مضى: أن يقدم المعرفة بدلاً من الشائعة، والحقيقة بدلاً من التضليل، والأمل بدلاً من الإحباط، وأن يساعد شبابنا على أن يكونوا شركاء فى صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين لما يصنعه الآخرون.